السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
39
مختصر الميزان في تفسير القرآن
عن عنترة قال : لما نزلت الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وذلك يوم الحج الأكبر بكى عمر فقال له النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ما يبكيك ؟ قال : ابكاني أنّا كنا في زيادة من ديننا فأما إذ كمل فإنه لم يكمل شيء قط إلا نقص ، فقال : صدقت . ونظيرة الرواية بوجه رواية أخرى رواها أيضا في الدر المنثور عن أحمد عن علقمة ابن عبد اللّه المزي قال : حدثني رجل قال : كنت في مجلس عمر بن الخطاب فقال عمر لرجل من القوم : كيف سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ينعت الاسلام ؟ قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم يقول : إن الاسلام بدئ جذعا ثم ثنيا ثم رباعيا ثم سدسيا ثم بازلا . قال عمر : فما بعد البزول إلا النقصان . فهذه الروايات - كما ترى - تروم بيان أن معنى نزول الآية يوم عرفة إلفات نظر الناس إلى ما كانوا يشاهدونه من ظهور أمر الدين واستقلاله بمكة في الموسم ، وتفسير إكمال الدين وإتمام النعمة بصفاء جو مكة ومحوضة الأمر للمسلمين يومئذ فلا دين يعبد به يومئذ هناك إلا دينهم من غير أن يخشوا أعداءهم ويتحذروا منهم . وبعبارة أخرى المراد بكمال الدين وتمام النعمة كمال ما بأيديهم يعملون به من غير أن يختلط بهم أعداؤهم أو يكلفوا بالتحذر منهم دون الدين بمعنى الشريعة المجعولة عند اللّه من المعارف والاحكام ، وكذا المراد بالإسلام ظاهر الاسلام الموجود بأيديهم في مقام العمل . وإن شئت فقل : المراد بالدين صورة الدين المشهودة من أعمالهم ، وكذا في الاسلام ، فان هذا المعنى هو الذي يقبل الانتقاص بعد الازدياد . وأما كليات المعارف والاحكام المشرعة من اللّه فلا يقبل الانتقاص بعد الازدياد الذي يشير اليه قوله في الرواية : « إنه لم يكمل شيء قط إلا نقص » فإن ذلك سنة كونية تجري أيضا في التاريخ والاجتماع بتبع الكون ، وأما الدين فإنه غير محكوم بأمثال هذه السنن والنواميس إلا عند من قال : إن الدين سنة اجتماعية متطورّة متغيرة كسائر السنن الاجتماعية .